دقيقة لصحتك - المرض العضوي والوظيفي
د. طاهر شلتوت - ينقسم الطب عامة إلى قسمين كبيرين، أحدهما هو الطب النفسي العضوي، والآخر هو الطب النفسي بمعنى إننا كأطباء حال مناظرتنا لأي مريض يشتكي من شكاوى جسدية معينة فإننا نحاول أولاً أن نبحث خلف هذه الشكوى من خلال سماع قصة المرض: كيف بدأ وكيف تطور تاريخه مع المريض، وهل يوجد لديه تاريخ مرضي أو أسري سابق أم لا، ثم نبدأ بتحليل هذه الشكوى حتى نستطيع أن نفهم كيفية حدوث المرض ونحدد مكان الإصابة ثم يبدأ الطبيب بعد ذلك في عمل البحوث والفحوصات التي تؤكد أو تستبعد أحد الاحتمالات التي يضعها الطبيب في البداية. وبعد إجراء الفحص الطبي السريري على المريض يجلس الطبيب ليضع كل هذه المعلومات مع بعضها البعض ويرتب أوراقه من حيث قصة المرض والكشف الطبي والفحوصات التي أجراها ليصل في النهاية إلى موضع الداء، وأين هي الإصابة وطبيعتها، فإذا استطاع الطبيب أن يربط بين هذه المحاور الثلاثة السابقة ربطاً منطقياً بمعنى أن شكوى المريض تتطابق مع وجود علامات يستطيع الطبيب أن يجدها من خلال الفحوصات لتوضح المعلومات التي استقاها الطبيب، هنا يستطيع الطبيب أن يفصح عن رأيه بوضوح وصراحة وهو مطمئن إلى صحة التشخيص. أما إذا تضاربت شكوى المريض مع العلامات التي يجدها الطبيب على جسد المريض ثم أتت الفحوصات لتظهر أنه لا يوجد تلف واضح أو صريح في أجهزة الجسد تفسر شكوى المريض فإن ذهن الطبيب هنا سوف ينصرف إلى ما نسميه المرض الوظيفي أو ما يطلق عليه المرض النفسي، وهو في أحيان كثيرة يشبه إلى حد كبير نفس الشكل والمظاهر التي تحدث نتيجة للأمراض العضوية، ولكن الفرق الكبير والجوهري بينهما هو أنه في المرض العضوي يوجد تلف يمكن ملاحظته في خلايا وأجهزة الجسد بينما في حالة المرض النفسي أو الوظيفي فإن الفحص السريري الإكلينيكي لا يظهر أي خلل بأجهزة الجسم، وتأتي الفحوصات والتحاليل الطبية لتؤكد نفس النتيجة وهي أن الجسد سليم ولكن لا يمنع أن تكون الوظيفة معطلة، مثل ضعف الحركة أو التعب الشديد أو الآلام المتعددة أو ارتفاع في ضغط الدم أو حتى انتفاخ البطن فيما يعرف بالحمل الكاذب، فهنا وفي كل هذه الحالات وماشابهها تتطابق كثيراً روايات المرضى عن قصة المرض ولكن تختلف نتائج الفحوصات السريرية وتتناقض هذه المعلومات أيضاً مع نتائج الابحاث، ومن هنا تظهر أهمية أن يقيم الطبيب مع مريضه علاقة مهنية حسنة تسمح له بالنفوذ إلى أعماق المريض للتوصل إلى طبيعة المرض الذي سوف تنبني عليه الخطة العلاجية بعد ذلك.